محمد بن جرير الطبري
29
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
تجمع خصاصات وخصاص ، كمال قال الراجز : قد علم المقاتلات هجا والناظرات من خصاص لمجا لأروينها دلجا أو منجا وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا ابن فضيل ، عن أبيه ، عن أبي حازم ، عن أبي هريرة ، قال : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليضيفه ، فلم يكن عنده ما يضيفه ، فقال : " ألا رجل يضيف هذا رحمه الله ؟ " فقام رجل من الأنصار يقال له أبو طلحة ، فانطلق به إلى رحله ، فقال لامرأته أبو طلحة : أكرمي ضيف رسول الله صلى الله عليه وسلم نومي الصبية ، وأطفئي المصباح وأريه بأنك تأكلين معه ، واتركيه لضيف رسول الله صلى الله عليه وسلم ففعلت فنزلت وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ . حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا وكيع ، عن فضيل ، عن غزوان ، عن أبي حازم ، عن أبي هريرة ، أن رجلا من الأنصار بات به ضيف ، فلم يكن عند إلا قوته وقوت صبيانه ، فقال لامرأته رجل من الأنصار : نومي الصبية وأطفئي المصباح ، وقربي للضيف ما عندك ، قال : فنزلت هذه الآية وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ . وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ يقول تعالى ذكره : من وقاه الله شح نفسه فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ المخلدون في الجنة . والشح في كلام العرب : البخل ، ومنع الفضل من المال ؛ ومنه قول عمرو بن كلثوم : ترى اللحز الشحيح إذا أمرت * عليه لماله فيها مهينا يعني بالشحيح : البخيل ، يقال : إنه لشحيح بين الشح والشح ، وفيه شحة شديدة وشحاحة . وأما العلماء فإنهم يرون أن الشح في هذا الموضع إنما هو أكل أموال الناس بغير حق . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا يحيى بن واضح ، قال : ثنا المسعودي ، عن أشعث ، عن أبي الشعثاء ، عن أبيه الشعثاء ، قال : أتى رجل ابن مسعود فقال : إني أخاف أن أكون قد هلكت ، قال : وما ذاك ؟ قال : أسمع الله يقول : وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ وأنا رجل شحيح لا يكاد يخرج من يدي شيء ، قال : ليس ذاك بالشح الذي ذكر الله في القرآن ، إنما الشح أن تأكل مال أخيك ظلما ، ذلك البخل ، وبئس الشيء البخل . حدثني يحي بن إبراهيم ، قال : ثني أبي ، عن أبيه ، عن جده ، عن الأعمش ، عن جامع ، عن الأسود بن هلال قال : جاء رجل إلى عبد الله بن مسعود ، فقال يا أبا عبد الرحمن ، إني أخشى أن تكون أصابتني هذه الآية مَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ والله ما أعطي شيئا أستطيع منعه ، قال : ليس ذلك بالشح ، إنما الشح أن تأكل مال أخيك بغير حقه ، ولكن ذلك البخل . حدثنا محمد بن بشار ، قال : ثنا يحيى وعبد الرحمن ، قالا : ثنا سفيان ، عن طارق بن عبد الرحمن ، عن سعيد بن جبير ، عن أبي الهياج الأسدي ، قال : كنت أطوف بالبيت ، فرأيت رجلا يقول : اللهم قني شح نفسي ، لا يزيد على ذلك ، فقلت له ، فقال : إني إذا وقيت شح نفسي لم أسرق ، ولم أزن ، ولم أفعل شيئا ، وإذا الرجل عبد الرحمن بن عوف . حدثني محمد بن إسحاق ، قال : ثنا سليمان بن عبد الرحمن الدمشقي ، قال : ثنا إسماعيل بن عياش ، قال : ثنا مجمع بن جارية الأنصاري ، عن عمه يزيد بن جارية الأنصاري ، عن أنس بن مالك ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " برئ من الشح من أدى الزكاة ، وقرى الضيف ، وأعطى في النائبة " حدثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم ، قال : ثنا زياد بن يونس أبو سلامة ، عن نافع بن عمر المكي ، عن ابن أبي مليكة ، عن عبد الله بن عمر ، قال : إن نجوت من ثلاث طمعت أن أنجو . قال عبد الله بن صفوان ما هن أنبيك فيهن ، قال : أخرج المال العظيم ، فأخرجه ضرارا ، ثم أقول : أقرض ربي هذه الليلة ، ثم تعود نفسي فيه حتى أعيده من حيث أخرجته ، وإن نجوت من شأن عثمان ، قال ابن صفوان :